محمد محمد أبو ليلة
263
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
في هذه البحوث ادعى فولرز أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم كان يقرأ الأجزاء الأولى من القرآن في بداية الوحي بلهجة عربية عامية ، وبدون إعراب ، وهكذا خالف محمد بين القرآن وبين الشعر الذي كان يكتب بالعربية الفصحى الممتازة ، وبالتالي فإن القرآن الذي بين أيدينا الآن ليس هو القرآن الذي كان يقرؤه محمد ؛ بل هو من صنع اللغويين وتلفيقاتهم ، ومن صنع اللاحقين لهم ، كذلك فعل هؤلاء الذين حالوا كتابة الوحي باللغة العربية الفصحى ، بالطبع ليضمنوا له البقاء ويخلعوا عليه أزهى رواء ، ويمضى فولرز في زعمه قدما فيقول " إن اللغة الأصلية التي نزل بها القرآن بقيت فقط في بعض الأشكال أو الأنواع الإملائية الغريبة والقليلة كحذف الألف ، على سبيل المثال ، من بعض الكلمات أو زيادتها عليها والتي بقيت في القراءات الشاذة " ! ! . عجيب أمر فولرز إنه يجعل من نفسه قاضيا ومحاميا في قضية لا يعرفها ، ولا يلم بها ولا بلغتها ، إلماما كافيا . ويبدو أن هذا المستشرق مغرم بقلب الحقائق ، فمحمد صلى اللّه عليه وسلم خير من نطق بالضاد وتربى بين أعزة أهلها وتغرب طفلا في سبيلها ، يتكلم العامية ولا يفقه فصحى العربية ! ! . والوحي المتحدى به والذي عرف قدره الكافرون به ودانوا لفصاحته كان مكتوبا باللغة العامية ! ! . وأن اللغويين الذين كانوا لا هم لهم إلا معرفة القواعد ودراستها هم الذين يكتبون القرآن بالفصحى في زعم هذا المستشرق فولرز وأي عربى يا ترى كان أفصح من محمد بن عبد اللّه ؟ وبما ذا تحدى اللّه العرب ، إنسا وجنا أن يأتوا بمثل هذا القرآن ؟ هل كان اللّه يتحداهم أن يأتوا بقرآن عامي ؟ وما ذا يقول الكاتب في هذه الأعمال التي تضم أدلة كالتلال والجبال ؛ منها الأدلة العقلية والنقلية المتواترة بلا انقطاع في سمو لغة القرآن وإعجاز القرآن في معانيه ومراميه ، في نظمه وبلاغته ، في علومه ومعارفه التي لا تنفد على كثرة الرد . وهل في العجب من مجال أوسع من أن يجعل فولرز القراءات الشاذة هي أصل القرآن ؟ مع أن العلماء قد اختلفوا في شأنها اختلافا كبيرا واعتبروها رواية آحاد لا يؤخذ بها ولا يحكم بقرآنيتها ، وفي هذه القرينة لا يفوتنا أن نسأل فولرز ، أيّ لغة عامية كانت تستعمل في مكة ؟ والعرب لم يكونوا يعرفون ما نسميه نحن في عصرنا الحديث بالعامية التي روّج لها الاستعمار وأجناده في بلادنا ، لضرب اللغة العربية والوحدة اللغوية بين العرب